الإدمان الالكتروني صار مسلمة، ولا يمكن الحديث عن طرق وآليات يمكن أن تعفي المتواصلين من مباشرة التواصل أو حتى تنظيمه بالشكل المرضي، وهذا ليس مصادرة على إجراءات التنوير والارشاد والتقويم المتعلق بهذه القضية الخطيرة، ولكن الواقع الالكتروني واعتياد الدخول على المواقع صار سمة من سمات الأفراد والجماعات، ناهيك عن المؤسسات التي تدير أنشطتها بشكل كامل ومستمر وشمولي !!!
وعند النظر بعمق وبمطالعة ما يتم نشره على المواقع الالكترونية وخاصة مواقع التواصل الالكتروني الاجتماعية ،
وعلى وجه التحديد مع التداعي الحر لما يتم نشره من أفكار أو معارف أو تسويق لقيم ومعتقدات ومفاهيم واتجاهات على اختلافها واختلاف توجهها واختلاف أفرادها أو الجهات الصادرة عنها ، وعدم وجود ضوابط حقيقية أو فلترة لما يتم نشره ، والحرية المبالغ فيها في التعبير عن الآراء والأفكار والمعتقدات والتوجهات ، دون النظر الى ما يمكن أن تسببه من آثار سلبية ومدمرة على التكوين الانساني وتغيير المسار سواء للأفراد أنفسهم أو المجتمع بأكمله ، فإننا يمكن أن نقول أن هناك خطورة كبيرة على أمن الأفراد والجماعات ومن ثم المجتمع ، وهذا مما يدعونا وبكل قوة الى إعادة النظر والتفكير بعمق في مواجهة هذا الإعصار والترتيب لمواجهة آثاره وتبعاته بكل أشكالها...
وهنا تثار قضية خطيرة تتعلق بالبعد الأخلاقي للتواصل الالكتروني ، فإننا وبقليل من الوصف والتحليل والتفسير سنجد أن هنالك نفايات تواصل عبر الأروقة والوسائط الإلكترونية تتعلق بالبعد الأخلاقي ، وهذه النفايات توجد بشكل أو بآخر ، بصيغة أو بأخرى ، بطريقة أو غيرها ، فنجد تواصلا غير محسوب في التهكم على الآخرين والتنمر عليهم ، وايذائهم معنويا والتطاول والرعونة في وصف مواقفهم أو أفكارهم أو استهداف أمنهم النفسي واتزانهم الانفعالي التواصلي ، وهناك مظاهر أخرى لهذه النفايات الأخلاقية أكثر خطورة تتعلق بالشكل من خلال نشر صور وفيديوهات ومواقف شخصية تواصلية تفتقر لكل معاني الالتزام الخلقي سواء في المظهر أو السلوك والفعل ورده ( رعونة في الكلام وألفاظ بذيئة وخروج على التقاليد والأعراف ، وملبس فاضح ، وحركات غير أخلاقية وغير سوية في التواصل بين الجنسين أو الإشارة الى انحرافات تتعلق بالجنس أو حرية الممارسات المترتبة على بعض المعتقدات التي لا تنطلق من دين أو تقاليد أو أعراف أو قيم تصف المجتمع الكريم لا من قريب أو من بعيد ...!!!)
وهناك نفايات أخرى أخلاقية تتعلق بالمفهوم الذي يتعلق بقيم المواطنة والشعور الجمعي بالمجتمع وما يحاول تحقيقه لأفراده، فلا يوجد انتماء أو اعتراف بالكيان المجتمعي، ولا تقدير لأفراده أو رموزه أو قاداته أو تاريخه، وينسحب الأمر على الخروج على التقاليد وعدم الاعتراف بالتوجيه أو الارشاد من الكبار أو الأسر التي ضاعت أدوارها وتفرقت بها السبل ..الخ ...
وكذلك نفايات أخلاقية تتعلق بالتوجه نحو المستقبل، فلا قيم مستوحاه من الدفع الذاتي لعظيم الإرادة وتحقيق الذات، ولا قيم تتعلق بالتقدير المجتمعي لصياغة حرة واعدة لمجتمع يسعى للتميز، فالمجتمع لم يمنحنا شيئا ولا يقدم لنا شيئا، وقيم التطوير ليست حقيقية فالإنسان يعيش مرة واحدة ولا ينبغي أن يضيع حياته في سبيل زائف يسمى الوجود الجمعي ..الخ ..!!!
والتساؤل المهم من هذا المقال هو: هل يمكن أن تتم إعادة تدوير هذه المخلفات الالكترونية الأخلاقية في اتجاه عكسي يمكن أن نضمن من خلاله، إعادة التكوين والتشكيل والالتزام بمنظومة القيم التي تحقق لنا وجودا حقيقيا سواء في علاقتنا بالله أو علاقتنا بالآخرين أو نحو صياغة جديدة لأجيال ينبغي أن تدرك معنى الأخلاق ويظهر ذلك جليا في تفاعلها ورشادتها وسلوكها ، لنضمن صناعة مستقبل حقيقي هو المراد من كل أساليب التواصل التقدمية الرقمية منها والعادية ؟
ربما أمكننا الإجابة على هذا التساؤل ولكن برؤية شاملة جمعية تتضافر فيها كل عوامل الإصرار والإرادة الحقة ممن يعنيهم أمر هذا المجتمع ومستقبله ...!!!
وللحديث دائما بقية ،،،،
كاتب المقال :
أستاذ أصول التربية ووكيل كلية التربية
لخدمة المجتمع وتنمية البيئة – جامعة المنوفية

إرسال تعليق